ذاكرة المكان .. هوية المكان
بقلم عبد الجبار ناصر
"ذاكرة كل إنسان هي أدبه الخاص"
الدوس هكسلي (1894- 1963)
( 1 )
ولد الفنان شوكت الربيعي في 1940 بمدينة العمارة، مركز محافظة ميسان حاليا في جنوب العراق، وفيها نشأ وتعلم، عاش في أزقتها المتربة وركض حافيا على شواطئها واستراح على دكات مسناة النهر تحت ظلال اليكالبتوس أو تحت شرفات منازل أغنيائها، وتعبت قدماه من الدوران في ممرات حدائقها أو رحلة التقاط التمر من نخيل صوب "الشبانة"(1) عبورا على الجسر المتموج صعودا ونزولا مع كل شاحنة تمر عليه. تجول في أسواق المدينة الملونة بسواد العباءات وسلال الرطب الأصفر والديري البني الغامق والخيار المحزز المكدس مثل أفاع فقدت قدرتها على الحركة، وسلال الخضروات المرشوشة بالماء قبل أن تذبل بعد منتصف النهار، والأسماك اللابطة بوهن والممدة على ألواح خشبية أو الأسماك الصغيرة المنظومة في قلائد من الخوص، وتصك أذنيه نداءات الباعة وجدال المشترين.
كان الربيعي يرحل في كل مساء شتوي مع حكايات عمته التي توارثتها عن أجداد ماتوا قبل آلاف السنين، فيرى في ظلال لهب الفانوس النفطي المتراقصة على أخاديد وجهها أبطال حكاياتها الخرافية. كانت عيناه تظل ثابتتين على ألسنة نار الموقد راسما عليها ما يسمعه من أحداث ومغامرات، فيما الدخان يغطي رأسه، يسحبه مثل دخان عفاريت المصباح السحري لينقله إلى مدن منسية مزدحمة بالناس والأبطال والأساطير والمعجزات وانتصار الخير في كل حكاية. وفي كل مرة، كان شوكت يغمض عينيه على عالم سحري لا تنغصه الحاجة ولا تكدر زرقة سمائه عواصف الغبار ودخان معامل الطابوق، عالم زاه بجنائن على امتداد البصرة متوجة بالأزهار تصدح بها الطيور بسيمفونية رائعة في أفق بألوان قوس قزح. في كل ليلة، كان يحلم بكنوز تتلألأ صناديقها المرصعة بالأحجار الكريمة في قاع الهور ذي المياه الساكنة الصافية أو عند حافات الممالح الممتدة وراء مقابر الفقراء وقبور اليهود أو عند سياج مقبرة الإنجليز. ومع الأيام أكتشف شوكت أن الكنوز كانت في صدره ورأسه؛ مواهب في الكتابة والرسم والنقد، فأوجد عوالمه، أو انتقاها، ليستمد منها مقومات بقائه، لكنه مع هذا كان يدرك جيدا ذلك الحد الرفيع الفاصل بين الحقيقة والخيال الذي هو ممر للوصول إلى الحقيقة. الخيال هو الوهم أو الأكذوبة كما سماه بيكاسو الذي قال مرة: "كلنا نعرف أن الفن ليس حقيقة. الفن أكذوبة تجعلنا ندرك الحقيقة، أو على الأقل الحقيقة التي تمنحنا فهم ما يجري. يجب على الفنان معرفة الطريقة التي تقنع الآخرين بصدق أكاذيبه." غير أن الربيعي كان يرى الفن جمالا والجمال حقيقة، تماما مثل ما رأى ذلك الشاعر الانجليزي جون كيتس (1709- 1821): "الجمال هو الحقيقة والحقيقة هي الجمال."
لم يكتشف الربيعي في بداياته الجمال الكامن في نقائضه فقط، بل اكتشف أيضا أن لكل لحظة من العمر سحرها الذي يحمل شحنة من الأحلام التي ساعدت الفتى شوكت أن يجتاز شظف العيش ويمتلك روح الفنان المبدع التي جعلته يرى أبعد وأعمق مما يرى الآخرون.
( 2 )
شيئان لم يفرقا مخيلة شوكت الربيعي عندما كان يكتب أو يرسم هما: الأمل والذكريات. وضع عنوان كتابه "كتاب الأمل" لكن محتواه كان يوميات وذكريات. يقول الربيعي عن الأمل: "... ولكنه أيضا ،المسمى الأخضر الرقيق المحبب الذي اخترعناه لتبرير مخاوفنا من المجهول وهو الرمز الوحيد الذي لا يفقد بريقه في نفوس الضعفاء ولا يخسر مكانته المرموقة أمام أحداث العالم القائمة التي تنذر بالفناء، وتقربنا إلى دمار الأرض، وتهدد الحياة ، الحبلى بالمآسي ودنو الفاجعة بنهاية البشر على كوكبنا الأزرق، من هنا تجدنا متعلقين بأطراف غيمة الأمل المغادرة. " (2)
لكنه كان أكثر تعلقا وتشبثا بذكرياته التي سردها في ذلك الكتاب وفي "طائر الشوف الأصفر" وعكسها على لوحاته الفنية. إنه لا يتذكر الأيام بل اللحظات التي ظلت محفورة في الذاكرة التي هي كنزه أينما رحل وحيثما حل. الماضي عنده لم يمت، ولا حتى كان ماضيا، كما يقول الروائي وليم فولكنر. إنه يستعيد المعاناة بتعابير حلوة رقيقة. ألم يقل الفيلسوف اليوناني أسخيلوس "الذاكرة أم الحكمة"؟!
ذاكرة الربيعي هي المكان، الوجوه، الأحداث المقرونة بتلك الأمكنة التي كانت أيضا أفاقا رحبة لخيال لم يعرف الحدود ولا يميز بين الممكن والمستحيل.
( 3 )
كان المكان، وما يزال، يشكل مصدرا مهما في ثقافة الفنان الربيعي وفي أعماله، الفنية والأدبية والنقدية، لهذا أجد أن تسليط الضوء على مكان نشأة الفنان، محط ذكرياته ومصدر وحيه، أمر لا بد منه ليس فقط لفهم أعمال الفنان بل للتعرف أيضا على مصادره الثقافية والحضارية.
لكي نفهم معنى المكان، أي مكان يثير في ساكنيه إحساسا قويا بالانتماء إليه، نحتاج إلى تحديد مفهوم المكان الجغرافي. ولكي نفعل ذلك، علينا أن نفهم أن المكان هو الفضاء الجغرافي الذي تتوفر فيه مقومات الحياة.
يظهر المكان إلى الوجود عندما يمنح الإنسان موقعا جغرافيا غير مميز معنى كجزء من مساحة أكبر، فيعطى اسما وينفصل عن الفضاء غير المحدد الذي يحيطه. بعض الأمكنة كان لها معنى قوي، أسماء وتعاريف من قبل المجتمع أكثر من الأماكن الأخرى. الأماكن التي لها معنى خاص في نفوس سكانها، أو حتى زائريها، هي تلك المتمتعة بهوية قوية عميقة.
الإحساس بالمكان ظاهرة اجتماعية تنشأ مستقلة عن إدراك الفرد وخبرته، وبهذا الإحساس يصبح المكان خليطا من السمات الطبيعية والثقافية، ومن سماته الناس الذين يعيشون فيه. ويقوى الإحساس بالمكان عندما يصبح موضوعا يتغنى به الشعراء ويكتب عنه الروائيون ويصوره الرسامون، مثلما فعل الربيعي كتابة ورسما.
( 4 )
العمارة.. مسقط الرأس ومصدر الإلهام
أدرك الربيعي في سنوات فطنته الأولى أن مدينة العمارة- المكان- هي مصدر إلهامه مثلما كانت مسقط رأسه. المدينة عنده تعني الناس الذين كانوا حوله من عائلة وأصدقاء ومعارف وجيران وزملاء، والبيوت والأزقة والحارات المتربة والشواطئ وعلب الدكاكين التي علاها الغبار.
أجاد الكاتب العُماني ناصر بن صالح الغيلاني في تبيان العلاقة بين المبدع والمكان: " لا شك أن أهم ما يعطي للمكان أي مكان سماته الخاصة وطبيعته المتفردة البشر الذين يعيشـون فيه ، فشكل الحياة والتعامل مع المكان وطريقة الألفة والتعبير والعمل والفن والإبداع تعكس طبيعة هذه العلاقـة وحميميتها ، فبمقدار ما يؤثـر البشر على المكـان الذي يعيشون فيه ، يسهم هذا المكان في التأثير عليهم ، ومنحهم سماته الخاصة وطبيعة المزاج وشكل الحياة والتعامل ، فالمكان بمعنى عميق وأصيل هو الرحم الثاني الذي يسهم في تكوين الإنسان... ولأن المكان صاحب فضل كبير في تشكيل مزاج الإنسان ورؤيته وتكوينه وإعطاءه أبعاده العميقة، تصبح من المسؤولية أحياناً على المبدع أن يحاول أن يعكس طبيعة هذا المكان في إبداعه، وأن يخلد هـذا المكان في أعماله ، وأن يجعل الآخـرين يرون جمالياته اللامتناهية، ويستنشقون روائحه العبقة، ويتعرفون على أثره على مزاج الناس، ويصبح بالتالي أحد الأدوات المهمة في العمل الإبداعي لفهم طبيعة الشخصيات ، وأبعاد رؤيتها واختياراتها في الحياة." ويضيف الغيلاني: " كما أن الإبداع يكتسب خصوصيته وتفرد صوته وجمالياته الخاصة من قدرته على عكس هذه العلاقة على نحو جميل وخلاق ، فأغلب المبدعين العظام في التاريخ كانوا على علاقة حميمية مدهشة مع المكان الرحم ، المكان الأم ... إننا نتطلع أن نتوجه جميعـاً إلى أن نعطي للمكان حتى ولو جزء يسير مقابل ما منحنـا إياه ، كما نسعى إلى إبداع يعكس لنا طبيعة هذا المكان وجوهره وهويته ، لأنها ستصبح أحد الثيمات الرئيسية في أبعاد هويتنا وطبيعتها المتفردة." "(3)
هذا ما فعله الربيعي الذي جسد في لوحاته وكتاباته عشقه الأبدي لأول منزل. الربيعي، مثل أي فنان صادق، يغمس ريشته في روحه، وينقش طبيعته على لوحاته أو يكتبها على أوراقه. كان بيكاسو (1881- 1973) دقيقا جدا بقوله "الرسم فقط وسيلة أخرى للاحتفاظ باليوميات".
فكيف كانت تأثيرات المكان على الفنان شوكت الربيعي وعطائه الفني والأدبي؟
( 5 )
إن فكرة المكان وموقعها في الذاكرة لها أثر كبير في تشكيل هويتنا، فالمكان والخبرة يساعدان على بلورة هوية الأفراد، وهذا ما يجعل للمكان أهمية كبيرة وللذكريات فيه قيمة. الروائي والمؤرخ "والاس ستيغنر" يكشف هذا النوع من الارتباط بالمكان مؤكدا أن هنالك أمكنة تشكل وتبلور هوية الناس كأفراد. الناس في رأيه يرتبطون بقوة بالمكان الذي يولدون فيه، أو قضوا فيه معظم حياتهم بأمان وألفة حافرا في أذهانهم ذكريات لا تنسى. التجارب الحياتية تمنح المكان معنى، تحوله من فضاء إلى مكان لأن المرء ينسب المعنى إليه بما يقع له من أحداث فيه. للمكان قوة هائلة قادرة على أن تصبح جزءا من هويتنا، الأمر الذي لا يمكن إلا أن يفهم حقا على المستوى الشخصي من خلال التجربة. تبدأ هذه التجربة في الحيز المادي وتنمو إلى نظام للمعنى، مكونة ارتباطا جوهريا من خلال المناظر الطبيعية، والناس والأحداث والتجارب.(4)
ذاكرة المكان يتداخل فيها التاريخ والناس والذكريات والأمنيات، المناظر والأصوات، اللمس والرائحة وأشكال البيوت ولون الوجوه. الذاكرة تعني هنا تاريخا طويلا من الفرح والسعادة مثلما تعني لحظات الألم والفقر والمعاناة والقهر . انتقلت هذه الذاكرة إلى الفنان الربيعي بمعايشته لورثة الألم وسماعه حكايات الماضي السحيق التي ظلت حية في أذهان المعذبين يتوارثونها جيلا بعد جيل. " كان الزمن الذي كبرنا فيه محمّلا بالحرمان.. ننام ونصحو على عوالم نخترع فيها أحلامنا البديلة.. نبتدعها عوضاً عن اللعب المشتهاة التي كنا نراها عند أبناء المترفين. أو على واجهات المخازن الزجاجية وفي الأفلام السينمائية وعلى صفحات المجلات القديمة.. ومع هذا العوز والضنك لم نعرف السؤال أبدا." (5)
المكان مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان العراقية التي كانت يوما دويلة نشأت في جنوبي أرض بابل تحت حماية السلوقيين (311 ق. م ـ 247 ق. م) عندما ضعف شأنهم في الفترة الواقعة بين عامي (223 ق. م ـ 187 ق. م) استقلت ثم تدرجت في سلم القوة وأصبحت دويلة مهمة، حكمها ثلاثة وعشرون ملكا ما يقارب ثلاثة قرون ونصف وبالتحديد ما بين عامي 129 ق. م ـ 225 ميلادي. . . وإنها أدت دورا بارزا في الأحداث السياسية والاقتصادية في العراق خلال الفترة من منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى الربع الأول من القرن الثالث للميلاد. وتعني "ميسان" في الآرامية (مياه المستنقعات)(مي آسن) لكثرة ما يحيط بمناطقها المعمورة من مياه الأهوار والمستنقعات. اشتهرت أيضا بقبر (النبي العزير) وهو مقدس لدى اليهود والمسلمين. وفي الإسلام، فتحت ميسان في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)على يد القائد العربي (عتبة بن غزوان المازني). وكانت حدودها تمتد بين واسط (الكوت) والبصرة، وكانت البصرة جزءاً منها، ونقل في تاريخها أنها مدينة واسعة كثيرة القرى والنخيل وكان المثل يضرب بخصوبتها. أما العمارة- بكسر العين، مسقط رأس الفنان شوكت الربيعي، فمعناها تسمية جديدة لبناء جديد ويضاف إليها (أل التعريف) لتثبيت المعنى وتحديده. (6)
لكن ميسان غابت مع غروب أهميتها التاريخية وأصبحت فيما بعد مجرد أرض تدور عليها حروب الدولة الإسلامية مع الولاة المتمردين وبعدها كانت من بين مواقع المعارك بين إمبراطوريتي الفرس والعثمانيين. وهكذا أمسى "البناء الجديد" مجرد خرائب تسرح فيها خيالات "السعلاة" و"الطنطل" ويتردد فيها غناء حزين صار لونا من ألوان الغناء العراقي "المحمداوي".
ظهرت العمارة للوجود ثانية كمدينة في زمن الوالي العثماني محمد نامق باشا (1861ـ 1867م) الذي انشأ معسكرا على نهر دجلة عرف (بالاوردي) أي "الفيلق" ثم توسع المعسكر ليصبح مدينة كبيرة يقال لها (العمارة) نسبة إلى العمران والأبنية التي شيدت فيها ثم خلفه بعد ذلك (محمد باشا الديار بكرلي) الذي شيد سوقا في المدينة أطلق عليه اسم الباشا، كما شيد بعض المباني الكافية لإيواء الجنود. في نهاية سنة 1861 صدرت الإدارة السلطانية من (إستانبول) بجعل العمارة مركز قضاء تابع لولاية البصرة وعينت وزارة الداخلية في الأستانة (عبدالقادر الكولمندي) قائم مقاما للعمارة الذي أنشأ محلة (القادرية) وأنشأ فيها المسجد الكبير والمنارة الموجودة فيه وقد أرخ الشاعر البغدادي عبدالغفار الأخرس تاريخ تأسيس العمارة بقوله:
عمرتموها فغدت عمارة كما أردتم لمراد الخاطر
فقل لمن يسأل عن تاريخها قد عمرت أيام عبدالقادر (7)
ومنذ أيام عبد القادر هذا حتى يومنا، ظلت مدينة العمارة مهملة ولا يذكرها ولاة الأمر في بغداد إلا حين يفكرون في إبعاد مسؤول أو نفيه أو إرسال مجموعة من السجناء إلى السجن الذي انطبع في ذاكرة الطفل الذي سيغدو فنانا. على الرغم من هذا الوضع المتردي، قال فيها الشاعر الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري في عام 1926، ولعل ذلك كان سخرية وتهكما:
أي عيشٍ لي في العمارة رغدٍ وزمانٍ مضى هنالك عذبِ (8)
الشبانة محلة كانت معسكرا للجنود الهنود في الجيش البريطاني ومحلا لتدريب المرتزقة 1-
مقدمة "كتاب الأمل" التي لم ينشرها الكاتب وارتأى نشرها مع الترجمة الانجليزية للكتاب 2-
ناصر بن صالح الغيلاني، نحن والمكان -3
http://www.arabiancreativity.com/places.htm) )
4- STEGNER, Wallace, ‘Finding the Place: A Migrant Childhood’, Where the Bluebird Sings to the Lemonade Springs: Living and Writing in the West (New York: Penguin, 1993), pp. 3-21
5- شوكت الربيعي، طائر الشوف الأصفر/ الفصل الثاني
6- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
7- المصدر السابق
8- رشيد خيون/ الشرق الأوسط اللندنية/ الأربعاء 25 يونيو2008

