تعنى بالثقافة والفنون الزمانية والمكانية والآداب والعلوم والمعرفة العامة وجوهريات الحضارة العربية والاسلامية كما تعنى بواقع الترجمة القائمة من العربية الى اللغات الحية الأخرى وبالعكس.
مقالات نقدية وانطباعات ومتابعات تتحدث عنتجربة النحات محمد ناصر الزبيدي
ملف احتفائي خاصبالمثقف- البصرة
أقام اتحاد أدباء البصرة ندوةثقافية قدمها الناقد التشكيلي خالد خضير ألصالحي حول تجربة النحات محمد ناصر الزبيدي يوم الجمعة الموافق 18 تموز الجاري، تحدث فيها عن تجربة النحات في منحوتات الخشب التي قدمها في معرضه الأخير في البصرة ضمن فعالية المدى التي جرت في البصرة، كذلك شارك عدد من الكـتّــاب في الحديث عن التجربة الفنية للمحتفى به منهم الكاتب البارع احسان السامرائي والأديبياسر البراك وغيرهم.كما يتوضح في الملف الاحتفائي بتجربة هذا النحات المبدع الذي سيتحدث عن جانب منها الكاتب احسان السامرائيبينما سيتناول الناقد خالد خضير ألصالحي موضوعة المعرض :جسد في الفضاء.. مـادة في الفراغ.. مبتدأ من البصري إلى اللغوي وفي تقديره انها .. تجربة شخصية. وكان كان الكاتب ياسر البراك قد تناول خامة النحات في التجربة الراهنة .
معرض الفنان محمد ناصر الزبيدي
احسان وفيق السامرائي
قبل عشر سنوات قدم الفنان محمد ناصر الزبيدي اول انتاج فني توزع بين النحت والرسم.. يومها شعرت ان في روح الفنان الصغير فضاءً غير محدود مستدلا براي علماء النفس الذين بينوا لنا ان ثمة علاقة وثيقة بين بين الموضوع والابداع الفني، فاختيار الموضوع يكشف لنا طبيعة الشخصية لان قيمة العمل تتمثل في التنظيم الشكلي للعناصر التصويرية (الخط والكتلة والسطح واللون)، وهو ما ينصب على ما هو كامل وفريد..
فهل استطاع الفنان بعد عقد من السنوات ان يقدم شيئا؟
لقد واجهتنا سلسلة تكاد ان تكون متصلة من القيم والمعايير الروحية في منحوتاته التي تركزت حول الخلق والتكوين وفيها الكثير من الموضوعية الحرفية والبحث عن الروح التي اعتمدها خلال ايغاله في الاسطورة العراقية ومسالة البدء .. فهو كما عرفت اجرى مسحا واقعيا للتراث الحضاري بدءا من رحلة جلجامش متواصلة العطاء، للتعرف على ماهية الحرف المسماري والرموز.. وكانت الحصيلة ثقافة مؤطرة بالانسان..
وكان من الطبيعي ان يتعامل مع المادة التي تركزت عنده على الجذور وخاصة الخشب لليونته وشدوخه واليافه وهو ما نحس به الاصعب في التكوين، وكان ما خرج به تكوينات تجعلنا نقف متاملين ما اراده الفنان وهي العملية الاصعب مرة اخرى في المعرفة..
فنراه في بعض نماذجه اكثر اقترابا من الواقعية الا ان المسحة التجريدية التي تؤطر اشكاله تفرض في الكثير منها الغرابة.. فلماذا انحاز الفنان الى ذلك..؟
يقول الشكلانيون بان الفهم ان شاء ان يكون فنا ينبغي ان يكون مستقلا بذاته وهنا العقدة في عمله الفني!..
فالجمهور يعامل اللوحة والتمثال كانه لوحة فوتوغرافية لانهم يعجزون عن الشعور بالقيمة المعبر ة عن الفن.
ولقد تميز الزبيدي عبر نماذجه بانسياب رقيق عندما تعامل مع الخشب تعامله مع الريشة وهي المهمة الاصعب ايضا فكانت ملامساته تتفرع الى شدوخ واشكال تتداخل فيها المدارس الخاصة بالنحت.. الا ان افتراقه .. ظل وسطا لان ايمانه بطبيعة النحات العراقي القديم وبدائية ما تعامل به وتشبعه بالاسطورة والرمز... جعله ياخذ مسارا يقترب من مدرسة عراقية لم تتكامل بسبب التداخل والمناهج التي طورتها النظرة العالمية...
ان تماثيل الزبيدي مقاطع من قصيدة مازالت لم تقرا قراءة متكاملة.. وهو ما يجعل صعوبة التوافق بينه وبين المتلقي!.
اقول بتركيز ان (تكوين الجماجم) ولنفترضه قاعدة الانسانية والشر تجسد في (كرسي السلطة)..
قد مكن (محمد) من التصوير الا ان من الماخذ التفصيلية في تكوين الجماجم.. قد فرض علينا نمطا يكاد يكون واحدا في حجم الجماجم .. ونسبها وهو ما يخالف نظرية التاريخ..
ثم ان اتجاهه في تجسيد الذروة على شكل (كرسي) قد حدد لنا ذلك التكوين حديثا بحكم (طراز الكرسي) الراحع الى عصر يتقارب والتاريخ..
اخيرا اشد على يد الفنان محمد ناصر الزبيدي احد مبشري مدرسة النحت العراقية الجديدة.
(الفضاءات والجسد الحر) جسد في الفضاء.. مـادة في الفراغ..
خالد خضير ألصالحي
من البصري إلى اللغوي.. تجربة شخصية
كتبت مرة في معرض دراستي لقصيدة (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف "إن الاشتغال من خلال اللغة هو إحدى نعم الكتابة النقدية التشكيلية وإشكالاتها في الوقت ذاته، وهو أمر يتلمسه النقاد المهتمون بالفن التشكيلي وبالشعر معا، فقد أكد الناقد التشكيلي سهيل سامي نادر مرة "أن لا وجود للنقد الفني بوصفه حركة مستقلة، انه نص يختلط بنصوص أخرى .. انه لا ينفصل عن التقاليد الأدبية،فخطته أدبية،أوصافه وتعابيره،و لاسيما لغته كلها،وطريقته في الحكم". ولأننا كنا قد بدأنا علاقتنا بالثقافة قد بدأت لغوية، من خلال الأدب،، والشعر خاصة، جعلتنا نبحث، معظم الوقت، في تخوم العلاقة بين هذين النمطين الإبداعيين،رغم أنهما من طبيعتين مختلفتين: طبيعة لغوية، وأخرى بصرية،إلا أننا نشعر بوشائجهما قوية بشكل محسوس في ميدان الصورة الشعرية والبصرية معا،إلا أننا رغموجهة النظر هذهالتي نزعم أنها خبرت كلا الفنين بدرجة لا بأس بها،وهو ما يجعلنا نتعامل مع الجوانب البصرية للغة،أو ما تسميه هناء مال الله (العناصر التكوينية للوحة) بشكل يجعلها أمامنا وكأنها لوحة، باحثين فيها عن الجوانب البصرية، وعن ما يربطها بالرسم من الناحية البنائية، إلا أننا بقينا غير ميالين بدرجة كبيرة إلى الاعتماد على النص اللغوي الذي يكتبه المبدع او مرسل الخطاب اعتمادا في ذلك على ما نشعره من اختلاف في طبيعة الخطابين: البصري واللغوي، وبذلك فنحن كنا نقصر اهتمامنا وثقتنا بما يبثه النص البصري باعتباره الوثيقة الوحيدة المطروحة للقراءة ومن ثم التأويل هنا، أي كمون مركزية القراءة في النصوص البصرية، إلا أننا خرقنا هذه القاعدة حينما درسنا نص (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف الذي نشره في نص (كتاب) ديوان نار القطرب، وقد قلنا نص كتاب للتدليل على الجانب (المادي) للكتاب، وهو ما قادنا إلى ان ذلك (الكتاب الذي بين الدفتين) لا يقتصر على (المدونة) اللغوية بل يتشكل، برأينا من مجموعة من الإكسسوارات، او ما اقترح القاص محمود عبد الوهاب في محاورة شفوية لي معه تسميته (هوامش العنوان) على ما اذكر، وهي: صورة الغلاف ولونه، و العنوان ونوع خطه، وشكل الحرف، وعناوينالقصائد ونصوصها، ثم التصديرات والإهداءات والهوامش والمقتبسات، ثم ما فعلته أنا بعدد من النسخ حينما قمت بالرسم في الفراغات التي بين نصوصها.
وحينما درج نقاد الأدب يبتدئون بالعنوان، باعتباره بوابة النص، وهو هنا يتوفر على بنية صورية ورمزية دالة بعمق، فنحن نبتدئ مما يهمله أولئك النقاد، وهو الغلاف، باعتباره بوابة الديوان القرائية الأهم، ونحن نزعم إننا أكثر معرفة بأهمية هذا الغلاف باعتباره دالة قرائية مهمة وبؤرة لامة؛ بسبب كوننا من قام بتصميم ورسم الغلاف، وهو تخطيط بالحبر الصيني، مصورا بطريقة الصورة السلبية (النيجاتيف)، ويمثل واحدا من مجموعة من أقدم الدمى والتماثيل الحجرية المجسمة العراقية القديمة التي ارتفعت فوق مستوى الحرفة الصرف الى مرتبة الفن الحقيقي، وهي مجموعة من التماثيل الكلسية بحالة غير جيدة،وقد وصلت إلينا من الوركاء، ولم تلاق في حينه أي اهتمام لكونها مهشمة، فاعتبرت فرثية خطأ بسبب الموقع الذي وجدت فيه؛ لذا فقد استبعدت من تاريخ الفن التشكيلي السومري، وان واحدا منها يمكن تمييزه - على الرغم من حالته المحطمة - كرجل ذي لحية كثة غريبة على شكل قرص تغطي ذقنه وخديه، وهو يعود إلى عصر فجر التاريخ في بلاد سومر، وان حال شعر الرأس واللحية يوحي بأنه شعر أمير، لأن الإكليل السميك هو لباس الرأس لدى الأمراء في عصري الطبقة الرابعة في الوركاء وجمدة نصر.وقد اعتبره الدكتور فوزي رشيد تمثالا للإله تموز في مقال له في مجلة (الرواق) التي كانت مهتمة بالفن والنقد التشكيليين، وهو النموذج الذي كان شكل مرجعيتنا البصرية والدلالية، عند إنجازنا الغلاف.
ونحن نعتقد ان الغلاف هو جزء من هوامش العنوان؛ فرغم ان الغلاف لم يرسمه الشاعر، إلا انه وافق عليه، وتبناه فكان بالنسبة إليه مادة نصية جاهزة، يماثل ما يعرف بالمواد الجاهزة (ready made) التي يستخدمها في بناء (كتابه).
2- مطويات المعارض
لقد عرف كاسيرر الفن بأنه لغة رمزية، وهيمن ذلك التعريف على الدراسات الفنية في القرن العشرين، فكان اخطر نتائج تلك الدعوة، حسبما يؤكد جورج كوبلر، ان استأثرت دراسات المعنى بكل الاهتمام، فكان "الحكم على العمل الفني في ضوء مضمونه, سبيل يؤدي الى تدخل كل أنواع الأهواء والتحيزات التي لا صلة لها بالأمر" كما يقرر (هربرت ريد)؛ فتراجع تعريف الفن بكونه نظاما من العلاقات الشكلية، وهو التعريف الأهم برأينا، رغم انه مازال بعيدا عما ألفه الناس، فقلما يعتقد سوى القلة من المختصين في الفن التشكيلي بآفاقه الحداثية ان اللوحة ليست في النهاية إلا سطحا مطليا بالمادة، أي الإقرار (بشيئية اللوحة) ومادية التعبير، وان جل ما يكتبه الرسامون في مطويات معارضهم في العراق ينصب في جانب المعنى بمختلف اتجاهاته، وهذه، برأينا الخطورة الأولى في تلك الكتابات، كونها تكرس تناول المعنى على حساب متيريالية اللوحة.
وتتمثل الخطورة الثانية في اتجاه تحول كتابات التشكيليين في مطويات معارضهم إلى ما يؤدي إلى بث موجهات قرائية متعمدة كما كانت تنتهي إليه كتابات شاكر حسن آل سعيد، وقد تتحول تلك إلى موجهات قرائية دون قصد من الرسامين أنفسهم حيث يقوم الكتاب بتناقلها كمسلمات مفروغ منها، كما يحدث في تناقل هؤلاء النقاد الفهم السائد بأن تجربة الرسام فيصل لعيبي لا تعدو ان تكون رسوما ذات طابع محلي لا يشكل سوى امتداد متأخر لجماعة بغداد وطروحاتها غافلين عن الأبعاد البلاستيكية في هذه التجربة، وهو ما أخر اكتشاف كوامن تجربة فيصل لعيبي واكتفاء معظم الكتاب عن القشرة الفولكلورية لهذه التجربة وهو الأمر الذي أثبتنا تقصيرهفي إحدى محاضراتنا عن هذا الرسام.
ثالثا، لقد سرت قضية اختراع حوامل خادعةsupportsسرعان ما يقع فيها الرسام نفسه بطريقة الخداع الذاتي بعد ان يبدأ الكتاب بتناقلها العمياني، فيبدأ الرسام بتكرار ترديدها مما يعرض التجربة إلى خطر التناسخ الداخلي الذي يجعلها تدور في فلك حلقة مفرغة تؤدي إلى توقف إيقاع التحولات الأسلوبية فيها.
رابعا، لا يمكن نكران وجود رؤية فنية تنظيرية متكاملة لدى بعض الرسامين ممن يحاولون تطويرها من خلال معارضهم التي يقيمونها وينظرون لها في مطويات معارضهم، والأمر هنا دقيق، فيما إذا كانت التنظيرات والتجربة البصرية متساوقة حقا، ام ان ذلك ادعاء ليس إلا أننا نستثني أحيانا الرؤية النظرية المعروفة في مطوية المعرض ونعتبرها مدخلا قرائيا يقترحه الفنان بصفته قارئا للمنجز وليس بصفته منتجا له، وهذا هو السبب الوحيد الذي لأجله كنت (أؤسس) بعض وجهات نظري على الرؤية التنظيرية في مدونة المطوية.
3
لم يعد همُّ الدراسات النقدية "البحث عن المعنى وتحديده ومحاولة إرجاعه إلى نية الكاتب ومقاصده، لان النقد في الأساس لا يتعامل مع النوايا والمقاصد، بل يتعامل مع كينونة النصوص أي من حيث هو موجود. اما النوايا فمجالها الأخلاق والايدولوجيا والفلسفة" (د.حسين خمري، نظرية النص، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2007، ص13)، فهل يمكن اعتبارالنصوص التي ترافق التجربة البصرية في باب المقاصد المسبقة والنيات القبلية؟.
4
نتساءل مرة أخرى: مثلما اعتمدنا الهامش البصري جزءا من النص اللغوي في الكتابة عن نص (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف الذي نشره في (كتاب) ديوان نار القطرب، هل يمكن ان نخوض معكوس لآلية السابقة فنسمح باعتبار النص اللغوي (المطوية) هامشا للتجربة البصَرية مثلما اعتبرنا الغلاف هامشا للنص اللغوي؟.
5
سنتناول القضية من بدايتها، فقد أقام النحات محمد ناصر الزبيدي معرضه الشخصي (الفضاءات والجسد الحر) ضمن فعاليات (أسبوع المدى الثقافي في البصرة)، وقدم فيه تجربته الأخيرة في النحت بالخشب، وهو في مدونته القصيرة التي كتبها في مطوية المعرض يقترح بعضا من المفاتيح الخارجية للقراءة؛ فيبثها تفاريق تشغل سطح المطوية. فأضاف عنوان (الفضاءات.. والجسد الحرّ) ليعلن منذ البدء ان أعماله النحتية ليست إلا عنصرين ضديين هما المادة (=الجسد) والفضاءات (الفراغ)، وربما يعترض احدهم ويعتبر استخدامه تعبير (الفضاءات) استخداما مجازيا ليس إلا وهو قد يعني آفاقا او موضوعات او أي معنى آخر، وهو اعتراض قد يبدو مقبولا إلا ان تقدمنا خطوة أخرى سيكون مفيدا في تحديد عنصري هذه الثنائية الضدية فهو يصف هذين العنصرين بـ"ـالجسد المكشوف في الفضاء الخالي" وبذلك يقرن الفضاء بالخلاء، إلا انه يعود ليبلبلنا بلغته الاستعمارية حينما يذكر ان "الجسد يبحث عن حيز في فضاء الروح" حيث يجعل الجسد باحثا عن حيز لكن في فضاء الروح وليس في فضاء النحت، إلا ان ذلك، برأيي،لن يخيفنا فسيتراجع عن عناده أخيرا ليحدد بدقة ان هذه الثنائية باعتبارها "المكان الخالي والأشياء الشاخصة"، وليصف تلك "الاشياء الشاخصة" بانها "أشكال مجردة بعيدة عن القيود والتفاصيل"؛ وبذلك فقد كانت هذه باعتقادنا، ووفق قراءتنا هنا، موجهات قرائية هي في حقيقتها عناوين تحيل إلى عناصر النحت المادية وإنها ليست مقيدة إلى المشخصات وتستمد منها شرعية وجودها؛ كما هو الفهم الذي لمسناه مهيمنا على متلقِّيْ المعرض، فقد كان الكثيرون يبحثون عن علاقته ما مع مشخصات الواقع لتكتمل عملية التلقي، بينما كان حضور مادة الخشب كافيا لنا نحن الباحثين عن الجمالية الخالصة: بلونه، وملمسه، وتفاصيل سطحه التي تبقي روح الشجرة كامنة في جسد المنحوتة، رغم تلبسها روحا أخرى هي روح الجسد البشري.
كانت منحوتات محمد ناصر الزبيدي تلمّح، ربما عن قرب وربما عن بعد، بأجزاء الجسد الإنساني، ورغم ان منحوتاته مازالت (أشكالا مجردة) بعيدة عن قيود المشخصات وتفاصيلها، إلا أنها تلمِّـح إلى الأشكال البشرية وأجزائها، هذه حقيقة ولكن ذلك لم يكن من باب محاكاة المشخّصات، بل من باب التلامس الحيّ مع الموضوعات الأساسية للحياة.
ان تلميحات محمد ناصر الزبيدي لأجزاء الجسد الإنساني كانت تدفع المتلقين إلى إحالة المنحوتة إلى اقرب المشخّصات لها فكان التشاكل الصوري بين الشجرة والجسد البشري، بين مادة الخشب وبين الشكل البشري؛ قد بلغ في معرضه هذا حدا جعل المتلقين يمررون عملية التلقي عبر البحث عما يماثل الكتلة النحتية من المشخّصات في الواقع،فكانت تلك الآلية تخدم حينا ولا تخدم حينا، تخدم حينما يجد المتلقي (موضوعا) يربطه بتلك المنحوتات، بينما كانت تعرقل عملية التلقي لأنها تبعد المتلقي مرحلة عن مادية النحت، ومادته التي تشكل جوهر عملية النحت.
يعتمد محمد ناصر الزبيدي على صلادة المادة التي تشكل جسد المنحوتة فيمنح ذلك منحوتاته وجودا أكثر محسوسية، ويعطي للمادة هيمنة كبرى في تشكيل (فضاء) المنحوتة ومن ثم وجودها. وهو يحاول ان يطوع أحيانا مادته، او يقسرها مما يؤدي إلى تغيير أفق التوقع التعبيري للمادة، تغييرا قد يعتبره البعض تفجيرا او تقييدا، إلا انه نقل آليات التعبير من نمط تعبيري ينتمي الى مادة ما، إلى نمط تعبيري ينتمي إلى مادة أخرى، فهو يمارس نحت الخشب مثلما يمارس النحات العمل بمادة الطين المشغول بعد ذلك بالبرونز وذلك يدل على براينا على الحرفية العالية محمد ناصر الزبيدي في تطويع المادة لموضوعات معقدة.
في المعرض الشخصي الخامس للفنان محمد ناصر الزبيدي .. تحولات الخامة
ياسر عبد الصاحب البرّاك
إن أية قراءة للمشهد النحتي العراقي الراهن لابد أن تأخذ في الاعتبار بعض الإشكاليات التي تُسهم في إضفاء نوعٍ من الضبابية والارتباك على ذلك المشهد، لأن حركة النحت مرتبطة أولاً وأخيراً بحركة الواقع (الفردي فيما يتعلق بالفنان) و(الجمعي فيما يتعلّق بالمجتمع) وهي إشكاليات نعتقد أنها إذا تمكنت من ذلك المشهد فإنها سوف تحد من الأفق الإبداعي فيه، وتقف المادة الأولية (الخامة) وتمكّن الفنان من توفيرها في مقدمة تلك الإشكاليات، فالخامات التي يستخدمها الفنان (الخشب، البرونز، الطين، الحجر، العظام، ... الخ)، ذات مستويات متفاوتة من التحقق، فإذا كانت بعض الخامات يمكن الحصول عليها بسهولة مثل (الطين)، فان بعضها الآخر يصعب الحصول عليه مثل ( البرونز)، إذ أنه ما لم تتوفر مؤسسات فنية تدعم الفنان في الحصول على مادته الخام، فانه يضطر إلى الاعتماد على مجهوده الشخصي وهو مجهود مهما كان كبيراً وثرياً فانه لن يصل إلى إمكانيات المؤسسات الفنية في دعم الفنان وتوفير مادته الخام، وبجردة بسيطة لواقع عمل المؤسسات الفنية في العراق الحالي نجد ثمّة بوناً شاسعاً في علاقة الفنان بمؤسساته الفنية وهو ما ينعكس بشكل سلبي على قدرته في توفير مادته الخام، مما يضطره إلى تقديم بعض التنازلات الجمالية لحساب القيمة السلعية لمادته التي يعمل عليها، وهي تنازلات تأخذ من الخطاب النحتي كثيراً من سحره وتأثيره، فالعمل النحتي لا يكتمل ما لم تتوفر له فرص عرض جيدة تجعله في المواجهة مع المتلقي، وهذا ما يُدخلنا في الإشكالية الثانية المتعلقة بالمشهد النحتي العراقي، فصعود المد الإسلامي الأصولي إلى الواجهات السياسية وتمكّن هذا المد من فرض (تحريمات عرفية) أكثر من كونها دينية على الفنون يؤسس في واقع الحال لقطيعتين أساسيتين، الأولى بين المؤسسة الثقافية التي تمكّن منها المتأسلمون وبين الفنان، والثانية بين الفنان ومتلقيه المُحاط بفتاوى التكفير والخروج من الملّة، وهما قطيعتان إذا استمرّتا في المشهد الثقافي العراقي العام، فإنهما ستؤسسان مزاجاً شعبياً رافضاً لبعض الفنون ومنها فن النحت، سواء كان ذلك المزاج بطريقة إرادية، أو عن طريق اللاوعي، وهو ما يمكن أن يدق ناقوس الخطر في محيط الثقافة العراقية ويعمل على خلق فضاء من التجهيل الدوغمائي الذي تمارسه فتاوى التحريم والتكفير بوجه مستقبل الثقافة العراقية، الإشكالية الثالثة تتعلق بقضية التلقي وما ينبغي على الفنان مراعاته في عمله النحتي، ولعل قضية التواصل بين العمل النحتي ومتلقيه تقف في مقدمة هذه الإشكالية، إذ يعاني الكثير من رواد المعارض النحتية – على وجه الخصوص – من عدم التواصل مع الأعمال الفنية في تلك المعارض، مما يجعل هذه الأعمال في وادٍ وروّاد المعارض في وادٍ آخر، وهو ما لمسته شخصياً في أكثر من معرض وفي أكثر من مدينة عراقية، فالإغراق في التجريد وإضفاء الطابع الرمزي على المنحوتات يجعلها بعيدة كل البعد عن ذائقة المتلقي، وهذا لا يعني بالطبع أن يتحوّل العمل النحتي إلى (إيقونات) طبيعية تتماثل مع الواقع، بل لابد للفنان من مراعاة مستويات التلقي عند جمهوره إذا ما أراد أن يكون لخطابه النحتي تأثيراً مهمّاً في ذلك المتلقي، فالرواسب الاجتماعية تلعب دورها في تشكيل نوع من القطيعة المعرفية بين الأثر الفني وجمهوره وهي قطيعة عمرها عقود التجهيل التي مُورست بحق الإنسان العراقي خلال الأنظمة الدكتاتورية السابقة، كما أن إختيار الفنان للفضاء المناسب لعرض منحوتاته يمثل بُعداً آخر من أبعاد التأثير في المتلقي كما يفعل هنري مور في الاستفادة من فضاءات الحدائق العامة والمتنزهات والكراجات في عرض منحوتاته مؤكداً تلك العلاقة الحميمة بين عمله النحتي (رغم تجريديته) وبين الطبيعة باعتبارها الحاضنة لذلك العمل والمُنتجة له، وهو ما لم نرَ أحداً من الفنانين العراقيين يُقدم عليه – على الأقل في السنوات القليلة الماضية – إما خوفاً من المغامرة أو لعدم التفكير بذلك .
هذه الإشكاليات الثلاث في واقع الحال ليست وليدة تأمل نظري للمشهد النحتي العراقي، إنما هي مؤشرات خرجت بها كمتلقٍ خلال مشاهدتي للمعرض الشخصي الخامس للفنان محمد ناصر الزبيدي الذي أقيم في البصرة مؤخراً تحت عنوان (الفضاءات .. والجسد الحر)، وهو معرض أبسط ما يُنبيء عنه أنه يحاول أن يتجاوز تلك الإشكاليات بإرادة فردية، هي إرادة الفنان نفسه، وهو أسلوب دأب عليه الزبيدي في معارضه السابقة، فهو يحاول أن يحقق لمشروعه النحتي نوعاً من (الاكتفاء الذاتي)، أي أنه يتحمّل كل شيء لإنجاز أعماله الفنية دون التفريط بجمالياتها لحساب هذه الإشكالية أو تلك، فالزبيدي متحرر من قيود المؤسساتية الرسمية، أو المؤسسة الدينية، وهو يحاول أن يُنجز مشروعه الجمالي بعيداً عن الادعاءات، إذ نجد في صمته وبُعده عن الأضواء شكلاً من أشكال التصوّف الفني، وهو ما يجعلنا نقرأ معرضه الأخير، إنطلاقاً من هذه الثيمة، إذ نجد أن منحوتاته تعبر عن إنسان مُحاصر، لكنه في الوقت نفسه غير مستسلم، وهو وإن كان يُفرط في التجريد أحياناً، إلا أنه يؤسس لنا نصوصاً نحتيّة مفعمة بالجمالية، فيصبح الجسد في عمله النحتي، جسداً ناطقاً ضمن حدود حيزه في الفراغ، فأجساد منحوتاته أغلبها ذات بناء عمودي وهو ما يوحي لنا نحن المتلقين بأن الزبيدي يمنح الصورة النحتية نصاً جديداً مبنيا على الانفتاح الدلالي عبر قراءته إنطلاقاً من الفضاءات التأويلية التي يقترحها الشكل النحتي، فشخوصه تتوق دوما إلى المطلق ما يعني أن ثمّة حركة داخلية في تلك الشخوص هي التي ترسم طبيعة الإنشاءات الصورية لها، أو تكويناتها المختلفة، ويأتي ذلك عبر تطويع المادة الخام (الخشب) وخاصة جذوع الأشجار، فتصبح مادته مؤسلبة وفق الإزاحة التي يمارسها إزميله وشفراته التي تعيد تصوير الخامة وتشكيلها بما يتناسب ورؤيته الذاتية، وهي في الغالب رؤية ذات أبعاد فنية وجمالية خاصة تنطلق من إحساساته الفطرية عبر بوح أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه بوح ذاتي ممتزج بألم شخصي هو تجربة خروج الخامة من شكلها الطبيعي إلى شكلها المؤسلب كخطاب جمالي يُحدث أثره في متلقيه، فالأجساد المستطيلة بتكويناتها المتعددة تمنح تجربته النحتية دفقاً إسلوبيا متنوعاً يُخفي بداخله (قلق الأسلوب) الواضح، لذا نرى أشكاله النحتيّة تترواح بين الأشكال ذات الطبيعة الأيقونية التي تصبح بمثابة شواهد على ألمه الشخصي وتجسيده لمعاناة الإبداع، وبين الأشكال الموغلة في التجريد سعياً منه لإكساب خاماته خطاباً جديداً غير متماثل مع الواقع، بل هو يكسر أفق التوقع لدى متلقيه حينما يحيل المادة الطبيعية إلى خطاب جمالي مُشفّر يحتاج منّا تأملاً وذائقة جمالية يُمكنها أن تفك شفرات ذلك الخطاب، فأشكاله المستطيلة إلى الأعلى تحمل طاقة تخيلية كفيلة بأن تمنح متلقيها قدرة التكهن بقصدية مُنتجها، أو على الأقل إقتراح القراءة الخاصة بالمتلقي نفسه، كما أن طبيعة التكوينات في أعماله النحتيّة تؤكد النزعة الباطنية لشخوصه وحركتها الداخلية، فتُكوّن لنا بنية عميقة للعمل النحتي توازي البنية السطحية لشكله البصري، فهذا التجاور في البنيتين في معظم أعماله النحتية يُشكل لنا خطابات بنائية تزيح الشكل المُستهلك لصالح الشكل الفني الذي يعتمد على المُغايرة، وعلى ذلك تصبح وحدات النص النحتي لديه مقترحة لخطابها الثيمي الذي يتراوح بين الرمز والتجريد، وهو خطاب يُنشيء إشكالية على مستوى التلقي سبق وأن قدّمنا بها هذه الدراسة، ولكي يتجاوز الزبيدي الشكل القابع في مخيلته فانه يحاول أن يقترح شكلاً تركيبياً يعتمد على وقع ضربات إزميله على سطح الخشب، أو تلك الندوب التي تُحدثها شفراته الحادة على جسد منحوتته وهذا ما يُحقق الأثر الجمالي المرجو من خطاباته النحتية، مؤسساً في الوقت ذاته حواراً شكلياً بين البنية الظاهرة لمنحوتاته والبنية العميقة التي يتم إستكمالها عبر الترابط المشروط بين الدال والمدلول، عاقداً علاقة جدلية بين موضوعة النحت كبنية مستقلة، وبين ما تفرزه خطاباته النحتية من وحدات صغيرة في تنوّع كل عمل لوحده، عاملاً على تجزئة الجسد البشري إلى وحدات بنائية صغيرة (اليد لوحدها مثلاً) في عمل مستقل من أجل إيضاح فكرته التي يود التركيز عليها .
وإذا ما حاولنا البحث عن مرجعيات محددة لأعمال الزبيدي النحتية سنجد أنها تتصل بمرجعيات أوروبية أكثر من إرتباطها بمرجعيات بيئية محلية (النحت السومري، أو الآشوري)، حيث تُخفي تلك المرجعيات تحت علاقاتها الصميمية بينها وأعمال الزبيدي وسائل متعددة في البحث البنيوي والجمالي والسيكولوجي تفرضه أحياناً طبيعة الخامة المُستخدمة في إنجاز العمل النحتي، إذ أنه على الرغم من الطاقة التخيلية الواسعة لذهنية الزبيدي، إلا أن الخامات – وهي أغلبها من الشجر – تفرض إشتراطاتها الشكلية المتصلة بمرجعياتها الطبيعية من ناحية نوعية الخشب وصلابته وحجمه ومدى طواعيته للتحول الشكلي من الطبيعي إلى الفني، لكنها برغم ذلك تتحول بين يدي الزبيدي إلى خطابات نحتية ذات طبيعة نصيّة تُسهم بدورها بفعل الترحيل من الأيقوني إلى الرمزي أو التجريدي
ولا يعتمد الزبيدي على الإسهاب في التفاصيل في أعماله النحتيّة، بل يحاول أن يكون مكثّفاً قدر المستطاع رغم إهتمامه الواضح بدقة الإنجاز من ناحية إظهار براعته في الحفر على الخشب وإبراز التفاصيل التي يعتقد أنها تمنح نصوصه النحتية قدرة التأثير المباشر في متلقيها، فنجد أن أعماله تتوزع بين الأعمال المُجسمة ذات الأبعاد الثلاثة وبين الأعمال البارزة ذات البُعدين، وهو تنوّع إسلوبي آخر ما كان له أن يكون لولا ذلك البحث المحموم الذي يمارسه الزبيدي على سطوح خاماته لتنويع أشكاله الجمالية المقترحة، وفي الوقت ذاته لتشكيل حجوم تلك الأشكال بما يتناسب والمرجعيات الطبيعية للخامة، إذ أنه يتشارك مع الطبيعة في منح الخامة شكلها الجديد، وتُفصح تلك المشاركة عن نفسها عبر إعتماد الزبيدي في بعض أعماله على مبدأ ( التعشيق) في الخامة حيث يقوم بالاستفادة من (فضلات) الخامات لمليء الفراغات التي أحدثتها الطبيعة في خامته الأصلية، أي أنه يعيد صياغة العيوب الطبيعية على خامته من أجل الوصول إلى ذلك الجوهر الكامن في الشكل الطبيعي .
----------------------------
وهناك آراء جوهرية أخرى للقاص الرائد عبد الوهاب محمود والفنان هاشم تايهوالكثير من الأدباء والفنانين والصحافيينسنوالي نشرها في الأعداد القابلة بعونه تعالى. (المثقف)